كتب*✒️البروفيسور أسعد ابو خليل*
هناك الكثير من المذكّرات السياسيّة اللّبنانيّة التي تُنشر، والقليل منها يحظى بالمراجعة أو حتى بالقراءة.
ليست كلّ المذكّرات بالأهميّة والموهبة نفسها، لكنّ بعضها، مثل التي بين أيدينا، يستحقّ الاهتمام لِما فيه من إضاءة على جوانب من حياتنا السياسيّة المعاصرة.
لقد أثارَ نشْر مذكّرات صائب سلام شهيّة السياسيّين (أو أولادهم) للتذكير بأدوارهم وإنجازاتهم ومواهبهم.
وقيام الأولاد بكتابة مذكّرات الأهل محفوفة بالمخاطر، لكنّ ذلك يتضمّن أحياناً إضافات وتوسيعات لا تمتّ بصِلة إلى كتابة المذكّرات أو سرديّات الحياة.
ابنة أكرم الحوراني حشرت، بصورة مفرطة جدّاً، مقالات الصحف في زمن والدها وضمّنته في أجزاء طويلة في ما سُمّيَ بمذكّرات أكرم الحوراني، مع أنّ الكتاب (بأجزائه الضخمة) أقرب إلى تجميع لكتابات الصحف وتقاريرها من المذكرات.
صائب سلام دوّنَ يوميّاته بانتظام (مع استثناء مرحلة مهمّة في أوائل السبعينيّات ومراحل كانت أليمة في حياته الشخصيّة) ولغته العربيّة الفصيحة والبليغة جعلت من أجزائها مرجعاً لا غنى عنه في كتابة سيرة تاريخنا السياسي المعاصر.
لا بل إنّ مذكّراته دخلت الأدب السياسي الرفيع فورَ نشرها (بصرْف النظر عن المضمون السياسي الذي أشرتُ إليه نقداً في مراجعتي المطوّلة -جدّاً- لها).
ومذكّرات صائب، خلافاً لمذكّرات غيره من السياسيّين -مثل بشارة الخوري- صريحة وفاضِحة وجريئة في كثير من الأحيان (هل كان يدري أنّها ستُنشر بعد وفاته؟
الجواب عند تمام سلام الذي أشرف على نشرها).
تركَ عدد من السياسيّين (ومنهم قادة في الحركة الوطنيّة) مذكّراتهم، لكنّ أولادهم يخافون نشْرها، ليس لأسباب أمنيّة بل لأسباب تجاريّة محض (البزنس عند الأولاد أهم بكثير من القضيّة).
وهناك كتّاب لبنانيّون متخصّصون في مساعدة السياسيّين اللّبنانيّين في كتابة مذكّراتهم: نقولا ناصيف وأنطوان سعد خصوصاً.
وهناك مذكّرات صدرت تحمل ذِكراً لإسهاماتهم وأخرى لا تحمل الإشارة أبداً لكنّك تلمس وجودهم.
يرِد في مقدّمة خليل الخليل (ابن كاظم) للمذكّرات هذه («مذكراتي: كاظم الخليل»،
في أجزاء ثلاثة) ذِكْرٌ لجوزيف قصيفي ومهدي حيدر وأنطوان سعد «الذين أسهموا في وضْع هذه المذكرات بصورتها النهائيّة» (المذكرات، ج. 1، ص. 9).
لكن لا ندري طبيعة إسهام الثلاثة وحجمه.
هل أسهموا في الكتابة أو التنقيح أو الاثنَين معاً؟ المذكرات تفصيليّة ومفيدة وتغطّي بعض جوانب الحرب المجهولة، وإنْ كان السرد يعكس وجهة نظر اليمين الماروني الشمعوني-الكتائبي، الذي انتمى إليه المؤلّف.
قد يتساءل البعض كيف يمكن لزعيم شيعي أن ينخرط في صفّ أحزاب مسيحيّة لجأت إلى الحرب للحفاظ على الامتيازات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة للمسيحيّين ولمنْع تحقيق المساواة في الدولة والمجتمع في لبنان.
هذا ليس مستغرَباً لأنّ صعود الزعامات السنيّة والشيعيّة لم يتحقّق يومئذ إلّا بربْط زعيم مسلم بزعيم ماروني ما: عادل عسيران وكاظم الخليل من حصّة كميل شمعون، رشيد كرامي ورياض الصلح من حصّة بشارة الخوري،
سليم الحصّ من حصّة إلياس سركيس، شفيق الوزّان من حصّة آل الجميّل، عبد الله اليافي من حصّة الشهابيّة،
سامي الصلح من حصّة شمعون، كامل الأسعد وصائب سلام من حصّة سليمان فرنجيّة، ومجيد أرسلان من حصّة شمعون... الخ.
يقدّم الكاتب سرديّة تاريخيّة عن آل الخليل، إلّا أنّها تنزع نحو تكرار الروايات المتخيّلة عند بُناة الأسطورة الكيانيّة اللّبنانيّة، فتجد تعميمات عن اضطهاد للطائفة الشيعيّة من دون الاستناد إلى مستندات تاريخيّة أو وثائق رسميّة أو تأريخ رصين.
استطاع دُعاة الكيانيّة اللّبنانيّة المرتبطة بالكنيسة المارونيّة أن يصوّروا حقبة العهد العثماني على أنّها بمنزلة القرون الوسطى المظلمة للبنان.
لكن المؤرّخ اللّبناني أسامة المقدسي، يقدّم رواية ذات مصداقيّة في كتابه الأخير «عصر التعايش: الإطار المسكوني وتكوين العالم العربي الحديث».
يقول كاظم الخليل إنّ جذور آل الخليل تعود إلى أوائل الشيعة (من دون دليل) وإنّهم تعرّضوا «للأذى» (ج. 1، ص. 16) ونزحوا نحو لبنان مع بداية العصر الأموي «اتّقاءً للاضطهاد».
لكن هذا غير مُسنَد، ولماذا يلجأون إلى لبنان، للابتعاد عن الحُكم الأموي؟
ثم يصل بمظلوميّة الاضطهاد (العائلي والمذهبي) إلى العهد العثماني فيقول: «لقد استمرّ اضطهاد الطائفة الشيعيّة طوال العهد التركي حتى أنّه كان يُفرض عليها أن تُطبِّق في أحوالها الشخصيّة أحكام المذهب الحنفي. ولم تتمكّن من اتّباع أحكام المذهب الجعفري إلّا أخيراً، في عهد الانتداب الفرنسي» (ج. 1، ص. 17).
كان الرجل جدّيّاً في ممارسة السياسة إلّا أنّه استبطن عقليّة الزعيم الماروني الذي تأثّر به وكان إلى حدٍّ ما نائياً عن الجوّ الإسلامي العام وعن البيئة التي كانت مسؤولة عن إرساله إلى الندوة النيابية.
وهنا تكون المفاضلة بين العهد العثماني والعهد الفرنسي دائماً لصالح الاستعمار الفرنسي. والمصطلحات مهمّة إذ إنّ الأسطورة المؤسِّسة للبنان تصف العهد العثماني بـ«عهد الاحتلال» والاستعمار الفرنسي بـ«عهد الانتداب»، ومصطلح الانتداب هو من اجتراح العقل المُستعمِر الذي أراد أن يخدع الشعوب المحتلّة من الغرب لإيهامها أن مسألة تحرّرها -خلافاً لتحرّر الشعوب المتخلّفة الأخرى- بات قريباً.
كلام الخليل عن المرحلة العثمانيّة لم يكن دقيقاً أو صحيحاً.
إنّ الإجمال حول اضطهاد استمرّ طوال العهد التركي هو استعارة مِن قِبل التاريخ الكنسي الماروني الذي اختلق قصّة المظلوميّة الدائمة عن وضع المسيحيّين في العهد العثماني.
لم يكن هناك اضطهاد شامل للشيعة أو غيرهم. ماكسيم رودنسون تحدّث عن تمييز في التاريخ الإسلامي لكنّه رفض أيّ تعميم،
وهذا يسري بصورة خاصّة على الإمبراطوريّة العثمانيّة التي كانت أكثر انفتاحاً من سابقاتها ومن جيرانها في حينه.
وضْع الإمبراطورية العثمانيّة في التنوع الفسيفسائي كان متقدّماً عن وضْع المجتمعات الغربيّة: بريطانيا مثلاً، قرّرت طرْد اليهود بالجملة في أواخر القرن الثالث عشر، وفرنسا في أوائل القرن الرابع عشر طردت اليهود واستولت على ممتلكاتهم وفرضت التحوّل على الكثير منهم، وإيطاليا اضطهدت اليهود في أواخر القرن التاسع عشر.
الإمبراطوريّة العثمانيّة كانت ملاذاً للمضطهَدين من اليهود.
صحيح أنّ الدولة العثمانيّة كانت حنفيّة رسميّاً ولم تكن تعترف بالمذهب الجعفري أو المحاكم الشرعيّة الخاصّة به (رسميّاً) لكنّها لم تفرض السنّية على الشيعة، وليس صحيحاً أنّ المحاكم الحنفيّة فرضت أحكامها على الشيعة. إنّ المحاكم في الدولة كانت تتّبع المذهب الحنفي لكنّ الدولة سمحت أو تسامحت مع المحاكم الخاصة بالشيعة (أي الجعفريّة) قبل مرحلة الانتداب الفرنسي.
في جبل عامل مارس الشيعة طقوسهم الدينية (المجالس الحسينيّة والزيارات والتعليم الديني)، وازدادت حرّيات الشيعة مع ضعف مركزيّة السلطنة.
والنجف وكربلاء ازدهرتا قبل مرحلة الانتداب، أي في العهد العثماني والحوزات العلميّة توسّعت، والطقوس العاشورائيّة كانت موجودة (علناً أو في مجالس خاصّة). إ
انّ الاضطهاد الذي يتحدّث الخليل عنه، والذي جعله عنواناً للحُكم العثماني، طبع مرحلة الصراع مع الحُكم الصفوي في إيران في القرن السادس عشر فقط.
وكما كانت الأحكام قبل القرن العشرين،
كانت الحرّيات واستقلال الطوائف (في الشرق والغرب) تخضع لأهواء الحُكّام والوُلاة وأمزجتهم.
والنصوص العدائيّة ضدّ الشيعة كانت حصراً عن «القِزلباش» وليس عن كلّ الشيعة (والقزلباش كانوا بنظر الإمبراطوريّة أتباع الصفويّين الأناضوليّين، ولم تكن فتوى شيخ الإسلام، أبو السعود أفندي، في القرن السادس عشر، تعنى بكلّ الشيعة بل بـ«القِزلباش» الذين أُدينوا بالكفر والزندقة).
وكَون المذهب الحنفي مذهب الدولة والقضاء فيها لا يعني أنّ المحاكم الحنفيّة لم تكن تقبل بواقع الأحكام الجعفريّة للشيعة.
صحيح أنّ الطوائف، أو المِلل، المسيحيّة واليهوديّة، كانت مُعترفاً بها قانوناً، ما وضع الشيعة في مرتبة أدنى من ناحية الأحكام الخاصّة بالطائفة والاعتراف بها قانوناً،
من دون أن يمنع ذلك الشيعة من تنظيم أحكام الزواج والطلاق والميراث عندهم، وبإشراف علماء شيعة.
والمحكمة الحنفيّة كانت هي الفيصل في الاحتكام عند حدوث الخلاف.
وفي القرن التاسع عشر، اكتسب علماء النجف حرّية أكبر من دون تشريعات عثمانيّة رسميّة (راجع في هذا الصدد، كتاب ستيفان وينتر، «شيعة لبنان تحت الحُكم العثماني، 1516-1788» وكتاب ستانفرد شو، «الإمبراطوريّة العثمانية والعالم حولها» وفصل كارين باركي «نواح من التعدّدية القانونيّة في الإمبراطوريّة العثمانيّة»، في كتاب «التعدّدية القانونية والإمبراطوريّات»).
وأخطأ الخليل في زعمه أنّ الإمام جعفر الصادق هو «أستاذ أصحاب المذاهب الأربعة المسمّاة بأسمائهم» (ج. 1، ص. 17).
هو أثّر على تفكير أبي حنيفة لأنّه درس عليه، ومالك ابن أنس قبِل بصدقيّة أحاديث منسوبة له، وهذا مُعترف به في كتب السُّنّة.
لكنّ قَول الخليل فيه الكثير من المبالغة. والخليل الذي عادى عبد الناصر (بحُكم تبعيّته السياسيّة لكميل شمعون) يعترف أنّ الحُكم المصري في عهد عبد الناصر هو الذي اعترف رسميّاً، وللمرة الأولى في التاريخ الإسلامي، بالمذهب الجعفري كمذهب إسلامي خامس في الأزهر.
هذه الخطوة كانت أهم إجراء في التقريب بين السُّنّة والشيعة في التاريخ (المعاصر والقديم). ويضيف الخليل معترفاً أنّ «بعض الدول العربيّة والإسلاميّة لا يعترف» بالمذهب الجعفري (ص. 17).
الخليل لا يتمنّع عن توجيه النقد إلى الحُكم المصري في عهد عبد الناصر، لكنّ كلامه يصبح عامّاً وضبابيّاً عندما يتعلّق الأمر بالأنظمة الخليجيّة التي كانت داعمة لراعيه السياسي، كميل شمعون.
الخليل نال شهادة الحقوق من جامعة دمشق، وكان أوّل مَن ينال شهادة جامعيّة في عائلته. مارس المحاماة والقضاء قبل أن يدخل المجلس النيابي.
كان الرجل جدّيّاً في ممارسة السياسة إلّا أنّه استبطن عقليّة الزعيم الماروني الذي تأثّر به وكان إلى حدٍّ ما نائياً عن الجوّ الإسلامي العام وعن البيئة التي كانت مسؤولة عن إرساله إلى الندوة النيابية.
ومن المُستغرب أنّ إشاراته التاريخيّة مليئة بالمغالطات والأباطيل.
لكنّه ينتمي إلى تيار يميني اعتاد أن يُخضع التاريخ للانحياز السياسي، فإذا تناقض الأول مع الثاني يطغى الثاني ويختلق ما يناسبه. والخليل يمرّ بالتفصيل (كما سنرى) على مراحل الحرب الأهليّة، وأحياناً يروي حقائق عن علاقته مع شمعون والمفاصل التي شابتها توتّرات واختلاف.
لكنّه لم يحِد عن خطّ اليمين الرجعي، وتراه (وبخاصّة في مرحلة «الحلف الثلاثي» الذي جرَّ البلاد إلى الحرب الأهليّة) يمدّنا بالمزيد من المعلومات عن خلفيّات التحالفات والمفاوضات في أتون الحرب.


